رياح التغيير والحياة البديلة تأملات فلسفية سياسية حول الحراك الاجتماعي الراهن وتاثيره على حالة التسامح

Sep 25 2018

رياح التغيير والحياة البديلة   تأملات فلسفية سياسية حول الحراك الاجتماعي الراهن وتاثيره على حالة التسامح

دكتۆر شێرزاد نه‌جار







"إن معرفة فن التأثير على مخيلة الجماهير تعني معرفة فن حكمها"


I

يرجع الفضل إلى المفكر الفرنسي (غوستاف لوبون 1841-1931) في دراسة سايكولوجية الجماهير في كتابه الشهير(سايكولوجية الجماهيرPsychologie des Foules).
حيث قام بدراسة شاملة عن الجماعات وطبيعتها وكيفية توجيهها من قبل السلطة وخصوصاً السلطة السياسية. ويعتبر هذا الكتاب من ضمن الكتب الأساسية في علم النفس الاجتماعي، الذي يهدف إلى سلوك الفرد داخل المجتمع ومستوى الإنسجام الإجتماعي والفردي ودراسة مصادر وطبيعة الصراع في المجتمع سواء الصراع الفردي أو الصراع الجماعي
ويؤكد لوبون أن الجماهير تنصهر داخل جماعة لتصبح روحاً واحدة عن طريق القناعات والمبادئ، مما يؤدي إلى سهولة القيام بأعمال وتصرفات سلبية لا تستطيع القيام بها إن كانت تتصرف لوحدها كفرد.
ولايؤيد لوبون آراء البعض من الباحثين الذين يؤكدون أن الجماهير هي فئة شغب بطبعها تحب النهب والسلب، بل يؤكد أنه في بعض الأحيان الجماهير تكون مستعدة لتقديم تضحيات بلا مقابل، وذلك بسبب الإيمان بالايديولوجيات ومعتقدات، تجعلهم يتحركون ضد السلطة . مثل هذا التصور قدمه أيضاً جورج أورويل في روايته "مزرعة الحيوان" للتأكيد على سياسة توجيه الجماهير لتصدق ما ترغب بها السلطة السياسية

ومن آراء لوبون أن السلطة السياسية أو المعارضون لها لاتستطيع أن تحّرِك الجماهيرفقط عن طريق العاطفة وخصوصاً المتطرفة منها. وهنا يركز لوبون على أن الجماهير بطبعها تميل نحو السلطة القوية وتتمرد على السلطة الضعيفة، وهنا يشير إلى الغريزة الثورية للجماهير وتأثير الأفكار الثورية على حالة اللاوعي لدى الجماهير.



II

عندما ثار الطلبة في أوروبا ( على الاخص في فرنسا وألمانيا) في عام 1968أعطيت العديد من التفسيرات والتأويلات لتلك الاحداث والحراك الطلابي والاجتماعي. أحد الذين " نجحوا " في اعطاء تصورات فلسفية جديرة بالإهتمام كان المفكر والباحث الاجتماعي والانثروبولوجي والفلسفي الفرنسي ( ميشال دى سيرتو Michel de Certeau) حيث ركز على مسألة (الحق في الكلام) وذلك في كتابه الشهير ( مَسكُ الكلام The Capture of Speak) في سنة 1968ويصف إطلالات تلك الاحداث وصفاً دقيقاً يصح أن نصف به الاحداث التي تحدث في العالم وعلى الأخص في منطقتنا، حيث يكتب :
شيء ما يحدث لنا وللمجتمع ، شيء بدأ يتحرك ، ظهر هذا الشيء في مكان ما فجأة ، ملىء الشوارع ، هذا الشيء يدور حولنا ...، ومن هذا الشيء ينتج مايأتي: نحن بدأنا بالكلام .وبدا هذا وكأنه يحدث لاول مرة إن هذه الحرية في الكلام هي في تصاعد مستمر بينما المؤسسات الاجتماعية تعمل بطريقة ترفض بها التعامل مع التواصل الفعّال.

ولكن المشكلة هي : كيف يمكن ان ننال هذا الحق وماذا يحدث عندما يُرفض أو يُنكرأويُكبح هذا الحق ؟
ان هذا الحق في الكلام يمثل رغبة جدية وجذرية في تغيير نمط الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والفكرية والنفسية ويتحول الى حِراك إجتماعي يعبر عن هذه الرغبة في التغيير؟
هذه الحالة وهذه الاوضاع تمثل حالة إبداع إجتماعي غير مسبوق و تمثل " خيالا سياسيا " وتتوجه نحو " تأسيس خيالي للمجتمع "
فهل يمكن اعطاء تأطير فلسفي لهذه الحالات وهل من الممكن ان تَخلق هذه الحالات " فلسفة جديدة "؟
في رأي ( لوبلان )، هذه الحالات تمثل " ممارسة جديدة للفلسفة " ظهرت بالتوازن مع أحداث وجدت خارج الفلسفة . وهذه الحالات لا يسميها ( لوبلان) بـ "اللحظة الفلسفية" كما أشار إليها (فردريك ورمز Worms) لان هذه الطريقة في صنع الفلسفة قد انتهت ، الا أنها يمكن ان تعود بفعل المشكلات في المصدر مكونة مشكلة جديدة هي مشكلة ( الحياة – العدالة ) بدلا عن ( البنية – الاختلاف ).
لقد بدأ تطور جديد يطل على الميدان الفلسفي ممثلا بـ " القدرة الخلاقة للحياة" معبرة عن مشهد سياسي واجتماعي جديد. و يعتبرهذا في رأي ( ورمز)، ومستندا في هذا على وجهة نظر ( دولوز) ، بمثابة عبور الى السياسة.
ومن نتائج هذا العبور : الاسراع في عملية الحِراك الاجتماعي المؤدية الى تحليل النظام القائم والمطالبة بإصلاحه أو حتى بتغييره.
وهنا يثار سؤال جوهري وهو : هل من الممكن ان يصبح هذا الحِراك الاجتماعي بمثابة " صيرورة ثورية بدون مستقبل الثورة؟"
الجواب: نعم ، يمكن ان يحدث هذا الشيء اذا لم يتحول الحِراك الاجتماعي الى عملية " خَلق جماعي " و " إبداع جَماعي ". هذه العملية هي عملية حيوية تنتقل الى صعيد الفعل الذي يعني نشاط " تمايز واختلاف يؤدي الى العقل والعقلانية". ان ديمومة الحياة تجد نفسها في وسط هذه العملية الثورية التي ستكون على مستويين:
• المستوى الاول : عملية تحويل لمعايير الحياة ( النبات ، الحيوان ، الانسان)
• المستوى الثاني: عملية تحويل المعايير في الحياة ( الانتقال من الغريزة الى العقل)
وفي منظور ( دولوز) ان الحياة هي بمثابة تطور أو نمو بشكل ما وهذا يعني أن هناك نقل للمعايير الاجتماعية والذي سيؤدي الى عملية " الخلق" أو" الإبداع "والتي ستكون واضحة في مسألة تسيس الحياة.
وهنا نتساءل عن ماهية عملية الخلق المجتمعية؟
في رأي ( لوبلان) أنهاعبارة عن عملية مضادة لعملية تَكمِلة ترسيخ أنظمة المعايير القائمة والمسيطرة على المجتمع.وهذه العملية مرتبطة بالسياسة، لذلك فالسياسة كعملية هي ليست قائمة بذاتها كشكل مستقل ومستقر وفق العوامل القانونية ، بل بالعكس فانها مرتبطة ببروز" إمكانيات جماعية غير مسبوقة تجتاز أنظمة المعايير وتعترض عليها"
وتأسيسا على ماجاء اعلاه ، فان السياسة هي إعتراض وطرح شيء جديد مقابل المعايير المحددة الموجودة.

وهكذا فان التفكير في السياسة له طريقان :
• السياسة كسلطة
• السياسة كلحظة تأثير الفوارق في الحدود أو المعايير

وهكذا فالسياسة هي :
إما شأن سلطوي أو شأن الصيرورة ؛ هي اما القانون المحدد لهوية وجه ما أو صيرورة مجهولة الهوية لكثرة معينة .
وبهذا المعنى يؤكد ( دولوز) بأن
السياسة لاتوجد ... الا بمثابة تجاوز عملية الخلق للسلطة.هكذا فانها تميل الى عدم الوجود الا في القاطع الفريد الذي يظهر فجأة في نظام المعايير والحدود...
وهذه يسميها (دولوز) بـ
الصيرورة التي تقيم في التاريخ ولكنها ليست محتوية فيه بل تفلت منه.لا قبل ولابعد ولا حتى اثناء ولكن عبورا معينا معلقا أو قاطعا للمعايير، اقحاما لتغيير ما، هو نفسه المفكّرمن قبل فوكو ...تحت صورة العصيان او التمردsoulevement

اذن السياسة لاتوجد الا من خلال صيرورات خَلاّقَة وفي عملية الخلق والإبداع هناك امكانيتان سياسيتان هما:
• الصيرورة الفردية ( في عملية الخلق الفردي)
• صيرورات جماعية (في عمليةالخلق الجماعي )

وفي رأي ( دولوز) ان السياسة تهتم بالامكانية الثانية والتي هي عبارة عن " الخلق الجماعي " و"تأسيس خيالي للمجتمع" حسب قول (كاستورياديس Castoriadis) وهذا بسبب ان الصيرورة هي حالة استثنائية وهي خروج على القانون المحدد للسلطة وهي محاولة لترتيب تجزيئي لمختلف الافعال الخلاقة. وهكذا فالسياسة هي عملية الخَلق ، فالسياسة هي عملية خَلق غير محصورة بمجموعة معينة من الناس في المجتمع بل هي لكل الناس.

اذن اذا كانت هذه هي السياسة ( عملية خلاقة ) فبأية طريقة تتمكن بها ان تعبر عن نفسها؟

السياسة كعملية ونشاط مستمر تمس المجتمع ككل ويمكن لها أن تعبر عن نفسها إما إيجابيا أو سلبيا :
• إيجابيا: توجه السياسة نفسها نحو مد مجالاتها الى مجالات جديدة
داخل تلك المجالات التي هي تحت سيطرة السلطة؛
• سلبيا: تركز هنا السياسة نفسها في رفض التوجهات السائدة للسلطة
وتحاول العمل لتغيير المتواصل لتلك التوجهات (التي هي
تعبر عن سياسة السلطة)
وهذا يعني ان السياسة هي عملية خلق لمعاييرة جديدة تشيرالى (معيارية سياسية) والتي تعني :
"قدرة على تحطيم المعايير القديمة ووضع معايير جديدة مكانها ، تطبع السياسة ، بدرجة أقل مما يعني نزعة تهميشية عملية مرتبطة بامكانية تحرير هوامش ومجالات يبقى فيها اختيار المعايير الدقيقةmicro-norms ممكنا"
وهكذا فالسياسة يجب ان تكون في جانب الصيرورات وليس في جانب السلطة ، ولكن: كيف؟
سيكون هذا ممكنا عندما تصطدم السياسة ( بالمعنى الواسع للكلمة) بالنظام القائم ومشكلاته سواء كان النظام نظاما شموليا ، دكتاتوريا ، رأسماليا ، تقليديا ، دينيا ...
ان كل تلك الانظمة القائمة تمثل "أقلية" تخاطر في تحطيم وإخضاع الاكثرية ولذلك فالواجب العظيم للسياسة هو خلق شروط حياة جديدة بديلة عن تلك القائمة على التمييز والاضطهاد والتسلط.
ان هذه الحياة البديلة هي قريبة جدا من الاحداث والحِراكات ومن هنا يمكن ان نفهم رياح التغييرات التي تجتاح العالم وبالأخص منطقتنا من حيث انها تبغي احداث تغييرات جديدة تؤدي الى اقامة معايير سياسية جديدة بدلا عن المعايير القديمة المعبرة عن " أقلية حاكمة". هذه المعايير السياسية الجديدة هي تعبير عن عملية خلق لتغييرات متواصلة مشتركة .اذن السياسة هي فن المجيء الذي يعني مجيء شيء جديد وعلى ضوءه يمكن فهم الحِراك الاجتماعي الإحتجاجي بكونه يحاول ان يأتي لنا بشيء جديد يختلف عن القديم.
وهذا الفهم يجبرنا على طرح التساءل الاتي: ماهو الشيء الجديد الذي يريده هذا الحراك الاجتماعي الإحتجاجي؟
هذا الشيء الجديد هو : العمل على احداث عملية خلق جماعية غير قابلة للاختزال الى سلطة أكثرية أو أقلية.وهذا الشيء الجديد هو بمثابة " تأسيس خيالي للمجتمع" ولكن هذا الـ "خيالي " يجب ان لا يؤخذ كمفهوم سلبي اي مفهوم لايتحقق ، بل يجب ان ينظر اليه بمثابة مفهوم ايجابي ذو بعد مستقبلي قابل للتحقيق.
اذن يجب ان يبتكرباستمرار حدث يومي ( او احداث يومية )، على حد تعبير( ميشال دو سيرتو) لاثبات القدرة المعينة لاحداث التغييرات.وهذه القدرة تؤكد على " فن العيش " الذي يستتبع سلسلة كاملة من عمليات الخلق الاجتماعية وتأسيس للمجتمع ومهيئة ضد مختلف صور التقرب التي تبذلها السلطة. وهذه القدرة بالتالي هي الرغبة الحقيقية التي ستنتج واقعا حقيقيا.وهذه الرغبة سوف لاتظهر دون تفكير تخيلي الذي سيكون المنطلق نحو عملية الخلق والتغيير.






III

في كل هذه الحِراكات و العمليات التغييرية والخلقية هل هناك مكانة للتسامح ام ان عامل القهر والاكراه هوالعنصر الجوهري والوحيد في العملية التغييرية ومابعدها؟
ابتدأ يبرز التساءل الاتي حول التسامح والذي طرحه (مارك هانتادي) : هل التسامح هو قيمة أم مبدأ أم فضيلة أم حالة أم شيء ما اّخر؟ ويعطي في نفس الوقت التوضيح التالي:
سيعرف التسامح هنا ،بطريقة مبتكرة بوصفه "الكمون القائم في النزاعات المستمرة.هذا التعريف ينحو نحو الاستعمالات المختلفة للتسامح (فضيلة ، مبدأ الخ...)
واليوم وفي اطار الاستعمال غير الدقيق للكلمة فانه يمكن ، كما يقول (هابرماس Habermas) أن ندرك أصلها السياسي وأنها لاتستعمل فقط للدلالة على نزعة عامة لمعاملة الاخرين بصبر وتسامح بل انها تستعمل للاشارة الى فضيلة سياسية في التعامل مع المواطنين الذين هم مختلفون أو لديهم أصول مختلفة.
ويؤكد (هابرماس) ان المفهوم التأريخي للتسامح الديني يقدم لنا دليلا عند تحليل الدور المنظم للدين والتعددية في المجتمعات الغربية والذي لعب دورا مهما في ظهور وتطوير الديمقراطية الدستورية. وهذا يعني ان مفهوم التسامح قد ظهر أصلا بوصفه مبدأ سياسياً في إطار التسامح الديني تجاه المعتقدات الدينية الاخرى . وكل هذه التطورات ، كما يؤكد (هابرماس)، قد مهد الطريق لعلمانية الدولة ولشرعيتها. وفي هذا الاطاريَفهم (راولس) التسامح الليبرالي انطلاقاً من التسامح الديني الذي سيشكل، كما يقول(ها نتادي)،في المستقبل جزءاً من الارث السياسي المشترك. وهذا التسامح قد غَيّر جوهر الثقافة الليبرالية نحو تبني واعٍ للشعور الديني في نظام حقوق الانسان.وهكذا أصبح النضال لاجل التسامح نموذجا للثقافة المتعددة ولاجل التعايش المتساوي لاشكال ثقافية مختلفة ضمن مجتمع سياسي واحد.
وتاسيسا على ماجاء اعلاه فان حالة التسامح يجب ان توفر لها مستلزمات وتهيء لها ظروف لانجاحها.
ان الحراك الاجتماعي ورياح التغيير التي تجتاح العالم العربي بحاجة ماسة الى توفير مثل تلك الظروف حتى يمكن من ان تصبح تلك الحركات التغييرية بمثابة سياسة خلق جديد للمواطن والمجتمع.
كيف يمكن تحقيق هذه المستلزمات؟
في راي (هانتادي)
ان الشرط التكويني للتسامح هو النزاع: يفترض التسامح وجود النزاع ، تماما كما تفترض الشجاعة الخوف. .. فان عِلّة وجود التسامح جوهرياً هو النزاع.
ولكن من أهم هذه النزاعات وأكثرها سوءا هو مأساة نزاعات الهوية. وفي هذا يقول (هانتادي):
... فان أمثالا من هذا النوع يمكن أن تغذي بسهولة بواعث الحنين بسبب فقدان الانتماء الى جماعة والتشظي الاجتماعي: انها تهدد بتحويل المجتمع الى تعاقب kaleidoscope متقّلب للتجمعات
في مواجهة الوضع المعقد للتسامح من حيث ارتباطه بالنزاع وفي نفس الوقت هو يمثل حالة نقيض لهذا النزاع فانه في رأي ( والزر Walzer) هناك خمس حالات متميزة للتسامح تتمثل في:
• القبول للاختلاف على أساس المصلحة المشتركة للتعايش السلمي
• وجوب ابداء رفق مشوب باللامبالاة تجاه الاختلاف وتمثيل الجميع لاجل تشكيل مجتمع متسامح
• قبول مبدأ ان الاخرين لهم حقوق
• وجوب الانفتاح على الاخرين
• انخراط متحمس في الاختلاف كشرط جوهري للتقدم والتطور

ومع ذلك وتحت ظل هذه الانواع المتميزة هل يصبح التسامح ممكنا؟
يؤكد (هابرماس) وهو محق بأن:
التسامح لايصبح مطلوبا الا حينما ، وعلى اساس عاقل ، لاتطلب الاطراف القابضة ولا تبحث عن الاتفاق حول القناعات موضوع التنازع ، ولا تعتبرها ممكنة
ويعلق ( هانتادي ) على هذا الرأي لـ (هابرماس) بقوله:
ولا تبحث عن الاتفاق و لاتعتبره ممكنا: ذلكم هو الشرط الاضافي للتسامح
وهذا يعتبره شرطا جديدا يضاف الى الشروط والحالات المؤشرة اليها اعلاه.
ولكن (هابرماس) وبحدة فلسفية دقيقة يؤكد ان التسامح هي ليست مفارقة كما يفهمه (غوته) بل
انه لايبقى اصلا مفارقة الا بمقدار ما يرسم حدود ما يمكن قبوله من طرف واحد: وحده مفهوم الحريات المتساوية للجميع بما هو تثبيت لحقل التسامح المقنع بطريقة مساوية لكل المعنيين، يمكن ان ينزع عن التسامح حمة التعّصب
ويضيف (هابرماس) ان قواعد السلوك التسامحي يجب ان يكون مقبولا عقلانيا من قبل جميع الاطراف. وهذه العقلانية في الحقيقة تَجّلَت في ظهور الديمقراطية الحديثة، حيث ان هناك ترابط مفاهيمي ما بين الحرية ( وبالاخص حرية التعبير عن الاديان) والديمقراطية. وهذا التسامح الديني في راي(هابرماس) قد كّون الاساس للدولة الدستورية الديمقراطية. ان هذا التسامح الديني له انجاز أساسي وهو إعاقة هدم او الانهيار الاجتماعي وبالتالي المحافظة على الترابط الاجتماعي.
وفي هذا الاطار يربط ( هابرماس) مابين العديد من الظواهر: التسامح (وبالاخص التسامح الديني) ، المجتمع التعددي ، الدستور الديمقراطي ، الاختلاف الثقافي والاندماج السياسي ولكن مع هذا فانه يحذر بقوله:
ان الفضيلة المدنية للتسامح تواجه تحديا من قبل تعددية وجهات نظر عالمية the pluralism of world views وبطرق مختلفة اكثر من ( ذلك التحدي) قبل تعددية طرق الحياةthe pluralism of ways of life
وعليه فانه فقط في حالة المنافسة ما بين وجهات نظر عالمية فان التسامح يعني قبول ادعاءات قيمية حصرية متقابلة.
اذن بهذه الافكار يقدم (هابرماس) صورة دقيقة لما يمكن ان يكون عليه التسامح وماهي تاثيراته على المجتمعات ذو ثقافات وأديان مختلفة كالمجتمعات الموجودة في العالم العربي.
على ضوء هذه الافكار فان الحِراك الاجتماعي ورياح التغيير في العالم مدعوا، وقبل ان تنهي مسألة ازاحة الانظمة الحاكمة التي تستند على القمع والتسلط والدكتاتورية والشمولية، الى ان تعطي افكاراً واضحة حول التسامح الذي هو نقيض التعصب الذي تحاربه.
ان هذه الافكار يمكن ان يتمحور حول المفهوم الهابرماسي للتسامح والمستند على المبادىء الاتية:
• القبول المتقابل والمتبادل لبعضنا البعض؛
• تحييد دور الدين في الحقل السياسي تمهيدا لاقرار الحقوق الثقافية المختلفة المتنوعة؛
• بناء الدولة الليبرالية وامتلاك دستور ديمقراطي؛
هذه هي التحديات المواجهة للحركات التغييرية الاجتماعية في العالم ،وخصوصاً في منطقتنا، لاجل انهاء الانظمة الدكتاتورية الشمولية وبناء مجتمع متسامح مبني على الحقوق المتساوية والمواطنة ولاجل بناء وتأسيس حياة بديلة عن تلك الحياة التي سادتها الظلامية والكبح والاضطهاد والتسلط والتمييز واللامساواة واللاعدالة.