قراءة في العلاقات الكوردية الامريكية قبل ، وبعد الاستفتاء

Sep 25 2018

  قراءة في العلاقات الكوردية الامريكية قبل ، وبعد الاستفتاء

د.حه‌سه‌ن كاكی




المقدمــــــــــــــــــــة
أرتبطت القضية الكوردية بالسياسة الدولية منذ نشأتها وبروزها بعد الحرب العالمية الاولى وشكلت موضع إهتمام المجتمع الدولي بصفة عامة ، والاطراف الخارجية سواء الاقليمية، او الدولية بصفة خاصة ، ويرجع هذا الاهتمام الى ما تشكله المناطق الكوردية من اهمية اقتصادية ، وستراتيجية جعلت العديد من الدول ، والاطراف الخارجية ترى فيها مناطق هامة ، في إطار التنافس لاكتساب مناطق نفوذ في منطقة الشرق الاوسط ككل ، وبالتالي فقد ارتبطت العديد من مصالح هذه القوى بهذه المناطق ، كما شكل ظهور وبروز الحركة الكوردية بالمنطقة نقطة إضافة لها في إطار العمل على تنفيذ المشاريع التي من شأنها خدمة المصالح المختلفة لهذه الدول ، فمن جهة دفعت هذه المصالح القوى الخارجية الى مساندة المسألة الكوردية في مراحل تأريخية معينة من تطورها ، ومن جهة أخرى دفعت ذات المصالح هذه الاطراف الى التخلي عن دعم الحركة الكوردية، وبالتالي ومن خلال سياستي الدعم والتخلي، عرفت المسألة الكوردية إستغلالا من قبل القوى الخارجية ، والذي كان من اسبابها أن تحقق هذه الحركة للعديد من النتائج خلال مراحل تأريخية من تطورها، كما شكل خلال مراحل اخرى أحد أسباب تراجع الحركة وفشلها .
لذا كانت ولازالت القضية الكوردية ضحية السياسات الدولية. والثورات والانتفاضات الكوردية التي اندلعت منذ القرن الثامن عشر إلى نهاية القرن العشرين، تعرضت للتآمر الدولي ومساندة الدول المحتلة لكوردستان ، وخض النظر عن جرائمهم ضد الكورد .

السياسة الامريكية في الشرق الاوسط :
لم تساهم الولايات المتحدة الامريكية في عصر الاستعمار العسكري في القرن التاسع عشر بشكل فعال، لكنها دعمت حلفاءها، ومن ثم ساهمت بفعاليه مميزة في عصر الامبريالية السياسية في القرن العشرين : وهو اخطر قرن على البشرية . " حيث جرى فيها حربان عالميتان مع 62 حرب اهلية " راح ضحيتها(80) مليون شخص، ناهيك عن زوال امبراطوريات، وتقسيم الشعوب والاوطان ، وامريكا تتحمل جزء من من هذه المسؤولية . دخلت أمريكا الحرب العالمية الاولى بعد ثلاث سنوات من اندلاعها، ودخلت الحرب العالمية الثانية في منتصف الطريق، لذا حافظت على قوتها العسكرية، والاقتصادية، وتزعمت معسكر الغرب امام معسكر الشرق بقيادة الاتحاد السوفيتي السابق، وبعد الحرب العالمية الثانية لعبت امريكا دوراً كبيراً في صياغة نظام دولي جديد مجسداً في ميثاق هيئة الامم المتحدة، وكان دورها محط احترام الشعوب، لكونه لم تشارك امريكا بعكس الاوروبين
في عمليات التقسيم ( سايكس – بيكو - وعد بلفور ) .
وفي فترة الحرب الباردة التي دامت أكثر من نصف قرن ، وعلى الرغم من نقاط الرئيس ( وودرو ويلسون ) الأربعة عشر ، وبالاخص النقطة ( 12 ) التي اعلنت في كانون الثاني / 1918 والتي تنص صراحة على وجوب صيانه حقوق القوميات في حق تقرير مصيرها، لكن آمريكا شاركت في تطورات المؤامرة الدولية ضد جمهورية كوردستان في مهاباد ، وبدور خاص من الرئيس الامريكي " ترومان"، تلك الصفقة تمت في حينها بين الحلفاء حسب اتفاقيات ( مالطا، وطهران، ويالطا ) ،على تقسيم العالم ثلثها للسوفيت والباقي للغرب.
أستندت الاستراتيجية الامريكية في تلك الحقبة على : أمن اسرائيل، والحفاظ على النفط، ، وحماية الحلفاء عبر الاحلاف ، والمعاهدات والاتفاقيات مثل : ( سعد اباد – حلف بغداد – الاطلسي - الجزائر )، وكانت ثلاثة من اصل اربع دول التي تقتسم أرض كوردستان ضمن دائرة الحلفاء، وكانت أمريكا تعد كل من تركيا ، وايران ، والعراق بمثابة خط دفاعي لها في مواجهة ما أسمته بالتهديد السوفيتي، لذا كانت تدعم وتراعي مصالح هذه الدول المرتبطة بمصالحها، كما انها كانت تعاقب هذه الدول في حال الخروج عن الخط المرسوم لها، وذلك بمساندة الحركات الثورية المناوئة لهذه الدول مثل دعم الحركة الكوردية في فترات معينة .

العلاقات الكوردية الامريكية قبل الاستفتاء
على الرغم من أن إهتمام الولايات المتحدة بالجهات الفاعلة التي ليست لها دول مستقلة بدأ في مؤتمر باريس عام 1919، لكنها كانت محدودة، وأقتربت من القضية الكوردية في إيران ، وتم مراقبتها للتقاربها مع السوفيات خلال بدايات الحرب الباردة، واتخذت موقفاً سلبياً من الحركة القومية الكوردية، ولم تكن القضية الكوردية في تلك المرحلة في سلم الاولويات الامريكية، ولم تنظر اليها نظرة المتعاطف. جرى التحول في السياسة الخارجية للولايات المتحدة من موقف العزلة تجاه الشؤون الدولية إلى التفاعل، وازداد مباشرة بعد أن لاحظت أميركا تمدد الشيوعية في منطقة الشرق الاوسط، ، وهذا أدى إلى اهتمام الولايات المتحدة لدور الكورد في العراق، وكانت سياسة الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون خلال الفترة من (1969 – 1974) الذي شرع في التغيير في السياسة الخارجية الأميركية، وستراتيجتها تتلخص تجاه الشرق الأوسط، نتيجة علاقاتها القوية في تلك الفترة مع دول إقليمية محددة ( إيران، والمملكة العربية السعودية ) والجهات التي ليست لها دولة مثل (كورد العراق) لخدمة أهداف الولايات المتحدة لممارسة دور الرقابة غير المباشرة في الشرق الأوسط.
يبدو جليا أن الولايات المتحدة لها مصلحة مع الجهات الفاعلة التي لا تمتلك دولة، سواء كانت جماعات دينية أم عرقية، ويبرز هذا جلياً في سرية المساعدات الاقتصادية التي قدمتها الولايات المتحدة لكورد العراق في (آب) 1969 لحماية المنطقة من توسع الاتحاد السوفياتي، ولغرض إضعاف العراق حليف الاتحاد السوفياتي في تلك الفترة، لذا كانت اتصالات الولايات المتحدة تقتصر على كورد العراق فقط، وهذه كانت المرحلة الأولى من العلاقات بينهم، وهو تطور ينبغي قراءته من خلال الأحداث في تلك المنطقة في سياق مناخ الحرب الباردة .
تطورت الاتصالات الأولية المحدودة بين الولايات المتحدة وكورد العراق، التي بدأت على أساس إنساني في شكل مساعدات اقتصادية ، إلى وجود علاقة سرية ثم مباشرة بين الطرفين، ووصلت إلى المستوى الرسمي في تموز/ 1972 لأن وجود الكورد كان مفيداً بوصفها أداة للموازنة، من بين أمور أخرى، مثل التغلغل السوفياتي في كل من إيران والعراق، ووقوف الولايات المتحدة إلى جانب إيران بوصفها الركيزة الأساسية في استراتيجية نيكسون ضد الشيوعية السوفياتية، والنظام العراقي البعثي .
بعد معاهدة الصداقة العراقية السوفيتية عام 1972 تحرك الامريكان، والبريطانيين
لاضعاف العراق، بالاخص بعد تأميم النفط لغرض معاقبة العراق ، ومنع دول آخرى للحذو حذوها وجاء هذا الشيء كرد فعل.
زار الرئيس الأمريكي الأسبق ريتشارد نيكسون طهران عام 1972، ونجح شاه إيران في إقناعه بضرورة دعم القضية الكوردية حتى يمكن للكورد مواجهة القوات العسكرية العراقية، وتم منح الكورد بعض المساعدات من أمريكا . كانت تلك المساعدة بمثابة دعم مَكَّن الكورد من مقاومة حملات الجيش العراقي على مناطقهم عام 1974، وهي السنة التي ألغيت فيها إتفاقية 11 آذار المعلنة عام 1970 من الناحية العملية.
واجهت القوات العراقية مقاومة شرسة من مقاتلي البيشمركة الكوردية، ونجح الكورد من تحرير مناطق شاسعة من الأراضي الكوردستانية، ومنيت القوات العراقية بخسائر كبيرة، فلجأ النظام العراقي إلى التنازل للولايات المتحدة الأمريكية، وشاه إيران لغرض التأمر على القضية الكوردية، وكان الدور الامريكي السلبي واضحاً في إتفاقية الجزائر، ففي عام 1974 زار الرئيس الامريكي نيكسون ايران ، يرافقه وزير خارجيته هنري كسنجر ، ولمحا للشاه عن دوره في تحجيم النفوذ السوفيتي في المنطقة، بالاخص في العراق الذي زادت علاقته معها، ومع فرنسا بعد ان عزم صدام حسين على حيازة الاسلحة النووية .
التقى هنري كسنجر في نيوروك بمندوب العراق في الامم المتحدة طالب شبيب، وهو من وضع اسس اتفاقية الجزائر بعد زيارته الى بغداد بشكل سري، وبذلك كانت إتفاقية 6 آذار عام 1975 نتاج تلك المؤامرة الدولية، حيث ساهمت في تحريرها كلاً من ( إيران، العراق، الأردن، مصر، الجزائر) وبتوجيه ودعم أمريكي مباشر، والإتفاقية طبخت أصلا في واشنطن ، وأُعلنت في الجزائر، بعد أن حققت الولايات المتحدة الأمريكية أهدافها بإمتصاص القوة العسكرية والاقتصادية العراقية، وإجبار العراق على التنازل لشاه إيران حليف أمريكا بمساحات من الأراضي العراقية في شط العرب، وذلك بمرور الحدود في خط تالوك البحري لصالح إيران ، وتراجعت عن وعودها للكورد وتخلت عنهم كلياً، ووقتها قال الزعيم الخالد مصطفى البارزاني" ان الاف الاطنان من حقوق الانسان تباع ببرميل من النفط ".
يقول تقرير لجنة "بايك" الأمريكية بصدد المساعدات الأمريكية للثورة
-------------------

الكوردية آنذاك ما يلي: "لقد كانت سياستنا غير أخلاقية إزاء الأكراد. فلا نحن ساعدناهم، ولا نحن تركناهم يحلون مشاكلهم بالمفاوضات مع الحكومة العراقية، لقد حرضناهم ثم تخلينا عنهم .
تقول وثيقة للمخابرات المركزية الأمريكية مؤرخة في 24 آذار 1974 مايلي: "لا حليفتنا إيران ولا نحن نرغب أن نرى المسألة الكوردية محلولة بطريقة أو بأخرى". وأثناء لقاء وفد كوردي بموظف من البعثة الأمريكية لدى الأمم المتحدة، قال بالحرف الواحد: "إن سياستنا لاترمي إلى إسقاط البعث ولكن إلى تغيير سياسته، وإذا ما غير سياسته فسيطلب إليه تقديم التنازلات للحركة التحررية الكوردية" .
برز الهدف الامريكي اتجاه المسالة الكوردية العراقية بصفة واضحة من خلال التقرير الذي أعدته اللجنة الخاصة التي شكلها الكونغرس الامريكي برئاسة أوفيس بايك حيث تضمن " ان هدف الولايات المتحدة الامريكية من مساعدة الاكراد لم يكن تمكينهم من تحقيق إنتصاراً يمكن لهم من بعده ان يحصلوا على حق الاستقلال، ان حصول الكورد في العراق على هذا الحق يمكن ان يؤثر على كورد ايران، وهذا يسبب لنا مشاكل مع الشاه ، وبالتالي فقد كان المطلوب هو ضبط حد لمساعدة الزعيم الكوردي مصطفى البارزاني، بحيث يظل دائما على مستوى معين .. مستوى يستطيع إستنزاف قوة الجيش العراقي وإنهاك اسلحته وقيادته وافراده، وفي نفس الوقت مستوى لا يستطيع معه إحراز إنتصار مؤثر يحقق الإستقلال ويؤثر على كورد ايران ". والمساعدات الامريكية كانت تأتي دائما من الجانب الانساني دون النظر الى الجانب القومي، التي تتطلع اليه الحركة الكوردية، تجنباً لما يمكن ان تثيره هذه المسالة من خلط في الاوراق، وحسابات المصالح الامريكية في المنطقة. ساندت الولايات المتحدة الأمريكية آية الله الخميني بإسقاط نظام شاه إيران، وكان الرئيس جيمي كارتر يراقب الأحداث في إيران عن كثب، وكانت توجد قاعدة عسكرية أمريكية في إيران قوامها أربعين ألف جندي أمريكي مزودين بأرقى أنواع الأسلحة، والرادارات وأجهزة التجسس على الدول العربية،والإتحاد السوفيتي السابق. كما كانت لإسرائيل علاقات جيدة مع نظام الشاه، ولكل من إيران وإسرائيل سفارة في البلد الآخر.

نهاية حكم الشاه في إيران :
جاء بريجنسكي العقل المفكر ، ومستشار الرئيس جيمي كارتر لشؤون الأمن القومي بنظرية جديدة ملخصها "تبديل العساكر برجال الدين". كان بريجنسكي ينظر إلى الأنظمة التي تحكمها توجهات دينية أنظمة حليفة للولايات المتحدة الأمريكية، مثل المملكة العربية السعودية ، وباكستان ، وأفغانستان، ودعمت الولايات المتحدة طالبان ضد الوجود السوفيتي في ذلك الوقت، حتى تمكن طالبان من السيطرة على أفغانستان. وعلى هذا الأساس إعتبر بريجنسكي بأنه من مصلحة أمريكا نهاية حكم العساكر في إيران وتبديله برجال الدين، لذلك أصدرت الأوامر للقاعدة العسكرية الأمريكية بعدم التدخل لصالح شاه إيران. كما وقفت فرنسا موقف التأييد لإيصال تلك الأصوات الخمينية من خلال الإذاعات وأشرطة الكاسيت وما شابه إلى الجماهير الإيرانية. فكانت ثورة الشعوب الإيرانية، بمساندة ودعم أمريكي لدك حصون النظام الشاهنشاهي.
كما رفضت الولايات المتحدة الأمريكية إيواء الشاه محمد رضا بهلوي بعد خروجه من إيران . قال شاه ايران للرئيس المصري انور السادات، " أبداً لاتثق بامريكا لانه في الوقت الذي كنت أنا أرقص مع زوجة كارتر وهو يرقص مع زوجتي كانت المخابرات الامريكية تنسق مع الخميني لاسقاطي " . تعاظم الدور الامريكي العسكري والاقتصادي والسياسي منذ تسعينات القرن الماضي بعد سقوط جدار برلين، وتحرير الكويت ، وإحتمالات تشكل نظام دولي جديد بين نزعتين : القطبية الواحدة ، والتعددية القطبية . وكان ذلك يتطلب ترجمته على ارض الواقع بصياغات جديدة للعلاقات الدولية مع "هيئة الامم – المؤسسات الاقليمية – الناتو – الاتحاد الاوروبي-- المصالح". كما أصبح هناك فراغ سياسي في الشرق الاوسط بعد أنهيار الاتحاد السوفييتي، والمد الارهابي، وأحداث ايلول، وعجز الانظمة القائمة عن القيام بدورها كما ينبغي، وسقوط الايديولوجيات، فكانت آمريكا مرشحه لملئها، بطريقتها وحسب مصالحها الخاصة، وبلورة مبادئ جديدة على هذا الطريق عبر الاعلان الامريكي الصادر في 4 / 9 / 1991 الالتزام بتأييد حكم القانون ، واحلال الديموقراطية ، وحماية حقوق الانسان ، واحترام حقوق الشعوب والقوميات والاقليات، واحترام القانون الدولي .
----------------------
يبدو من هذه الاعلانات والمبادىء، ان لقضايا الشعوب مساحة في الاهتمام الامريكي ، إحتمال قبول تغيير الحدود التي رسمت منذ الحربين وارد، واعادة النظر في تعريف سيادة الدول، لكنها بالعكس وقفت موقفاً مشيناً من إنتفاضة عام 1991 بطلب " عربي تركي " بعد تحرير الكويت في عهد الرئيس الامريكي جورج بوش الاب .
جاء القرار الامريكي بتنفيذ الحماية " الملاذ الآمن " لكورد العراق كخطوة استراتيجية جديدة رافقت الايام الاخيرة لحقبة الحرب الباردة، وفي تلك المرحلة كانت العلاقات الكوردية مع امريكا تسير من خلال الحليف التركي، وجاء الاهتمام الامريكي المتزايد بالشرق الاوسط بسبب : " البترول – المياه – الموقع – اسرائيل – الارهاب ، والدول التي قسمت عليها كوردستان " وهذا كان يدعو الى الاعتقاد أن القضية الكوردية ترشحت منذ تسعينات القرن الماضي لتكون رقماً في الاهتمامات الامريكية ، وجزءً في اطار قوس الازمة، هذا ما دفع الجهات الامريكية في تلك المرحلة ، وخاصةً مؤسسات صناعة القرار الى المزيد من البحوث، وكذلك اجراء الصلات مع خصوم الامس من ممثلي حركات التحرر وبينهم الكورد .
كانت الاستراتيجية الامريكية في المنطقه تعتمد على مسألة الصراع ( العربي – الاسرائيلي ) وتنطلق منها في سياستها العامة تجاه القضايا الاخرى وإعطائها الاولوية، وكان ذلك بمثابة نقص وثغره . حيث الشرق الاوسط كله يدور في فلك السياسة الامريكية – وفضاء الصراع العربي – الاسرائيلي .
لكن منذ مجيء الادارة الجديدة عام 2000 جرى تغيير هذه الاستراتيجية ، واعتبار الصراع العربي الاسرائيلي جزاً من كل – تطور في التفكير الاستراتيجي الامريكي . الاول : قدمه الخبير الاستراتيجي الامريكي ( بول مايكل فيبي ) الى الرئيس بوش في كانون الثاني / 2001 بعد ان قام بجولة ميدانية في المنطقه برفقة ثلاث خبراء آخرين، وكان التقرير بعنوان: "الرؤية الاستراتيجية للادارة الامريكية الجديدة في الشرق الاوسط "
واهم ما جاء فيه:
1 - ان اقليم كوردستان يشكل المدخل الرئيس الى العراق، وايران حتى الخليج ، ومنها سيأتي التغيير .
2 - تبدأ التحولات في ايران والعراق ووسط آسيا ، لأن هناك ضرورة في تغيير الانظمة القائمة فيها، وإستبدالها بانظمة جديدة لان القديمة قد شاخت .
3 - ان روسيا تشكل خطراً على المصالح الامركية الجديدة ، ويدعو فيبي الى جعل اذربيجان ، واقليم كوردستان العراق قاعدة عسكرية امريكية متقدمة ، ومتطورة لتحقيق مصالحها ، ولا ضرر من جعل كوردستان العراق مستودعاً عسكرياً للاسلحة الامريكية في المنطقة على غرار قطر، ولاسيما أن امريكا ستشدد من قبضتها على العراق في المرحله القادمة " وفي هذا المجال يطالب فيبي بطمأنة الحليف التركي حول العلاقه مع كورد العراق . 4 - بناءً سياسة امريكية جديدة اكثر عملياً لإحتواء ايران والعراق، ذلك من خلال إتباع سياسة الحزم العسكري تجاه بغداد حتى الوصول الى اسقاط النظام، وعدم الاعتماد على الحصار والامم المتحدة .
4 - عدم الاعتماد على المعارضة العراقية في الخارج ، واذا عجزت امريكا عن ذلك فعليها " بتقطيع اوصال العراق بوضع اقليم كوردستان العراق تحت سلطة ادارة مدنية تابعة للامم المتحدة لفترة إنتقالية تمهيداً لاعلان دولة كوردية على غرار اقليم كوسوفا ، واقليم تيمورالشرقية .
هذا ما حدث بالفعل وهو تطور كبير في السياسة الكوردية مع أمريكا من خلال عملية ( الملاذ الآمن ) وحماية كورد العراق ، والتدخل لاصلاح ذات البين بين اطراف الحركة الكوردية ، واستقبال القيادات السياسية الكوردية ، والخطوة المهمة الاخرى كانت هو رعاية عقد كونفرانس تعريف الكورد في مركز البارزاني بالجامعة الامريكية بواشنطن في 18 / 4 / 2000 بحضور رئيس حكومة الاقليم نيجيرفان بارزاني .
حدث تطور كبير في الاستراتيجية الامريكية بخصوص الشرق الاوسط بعد أن اصبحت امريكا القوة الاعظم الوحيدة، وبدأت تواجه حقيقة ادارة العالم وتغييره، وجاءت الاستراتيجية الامريكية الجديدة كافراز طبيعي لاحداث 11 سبتمبر / 2001 التي اضافت بعداً جديداً وهو تحويل الاهتمام الامريكي من الدول المتهمة بالارهاب الى الشعوب المشتبه في تفريخها للارهاب ، والتدخل في فض النزاعات العرقية ، واعادة الاعتبار لمبدأ حق تقرير المصير كما حصل في يوغسلافيا السابقة ، ومع شعوب وقوميات البوسنه، وكوسوفا والالبان، وفي جنوب السودان، واستقلال تيمور الشرقية، وافغانستان ، وهذا ما أنعش آمال الكورد في حق تقرير المصير.
ان الولايات المتحده مهيأة لتبوؤ مكانه قطبية احادية في العالم ومن مصلحة الكورد وجود قطبية احادية تحكم ولاتتحكم، تشرف ولاتستغل وذلك استناداً الى مساوىء القطبية الثنائية خلال اكثر من نصف قرن وتبعاتها الكارثية على الكورد ، كذلك بسبب آفاق المصالح المشتركة ( الكوردية – الامريكية ) في المنطقة والتي بدأت تتشكل في كوردستان العراق لتنمو وتتوسع في المستقبل. ومضي الولايات المتحدة في تغيير الخارطة السياسية في الشرق الاوسط حسب ما اعلن باتجاه دمقرطة المنطقة ، والتعاون في ايجاد الحلول المناسبة لقضايا الشعوب والقوميات المضطهدة وفي المقدمة القضيتان الكوردية والفلسطينية . وقبول حقوق الكورد المشروعة في كل من تركيا وايران وسورية ، والكف عن اعتبار تركيا دولة ديموقراطية اسلامية وحيدة في الشرق الاوسط . والتدخل بهدف ايجاد الحلول السلمية لهذه القضية على غرار المداخلات في جنوب السودان ، وغيره وتشجيع الحوار .
في جزء من تقرير قدم عام / 2000 من " اللجنة الامريكية للامن القومي حول الربع الاول من القرن الحادي والعشرين جاء فيه : " الشرق الاوسط ساحة نزاع، ولنا هناك مصالح وحلفاء، والمنطقة شديدة الاهمية وفيها نزاعات مختلفة وتفتقر الى نظم ديموقراطية ، وتوجد فيها اتجاهات اسلامية تدعو الى القلق والتهديد ، وهي معقل لنزاع القوميات والاديان ، خاصةً بين الاكراد من جهة والعرب والاتراك والفرس من جهه اخرى ، والمنطقة مقبلة على حروب بسبب العامل الديموغرافي والعولمة ، والفراغ ، وانهيار السوفييت ، والاتجاهات الاسلامية، والحل هو باسقاط الانظمة الدينية والطائفية وكمثال : ايران وسورية بعد العراق، كما ان القضية الكوردية ستبقى عنصراً من عناصر التزاع بين دول المنطقة اذا لم تعالج . ذكر المفكر السياسي برنارد لويس في في كتابه مستقبل الشرق الاوسط الصادر في كانون الثاني / 2000 " القوى الخارجية لها مصالح استراتيجية في المنطقه وستتدخل حتماً " هناك في المنطقة من يعتنق الديموقراطية، أو الاصولية الاسلامية أو الحرمان والاضطهاد، قد لا تكون الحروب بين الدول تشكل الخطر الاكبر . بل الحروب داخل الدول "، الدول العربية هي الاكثر عرضة للتفكك بعد تسرب حق تقرير المصير، أهم الاقليات على الاطلاق الاكراد ويصل عددهم بعشرات الملايين ويتكلمون لغة واحدة، وهم شعب قديم ولم يحققوا دولة منفصلة، يتوزع وطنهم بين تركيا والعراق وايران وسورية، وهي دول لعب الاكراد فيها دوراً مهماً " .
يذكر بول وولفوفيتز في كتابه" تذكر المستقبل" الصادر في كانون الثاني / 2003 حول "السلام الامريكي ، وعقيدة بوش ، أو نظرية الامن القومي" يشير الى ضرورة التغيير الديموقراطي حتى في البلدان الحليفة والصديقة ، وضرورة الايفاء بالوعود، وعدو صديقنا ليس دائماً عدونا " مثال : الكورد وتركيا – اليونان وتركيا – مصر واسرائيل – ويضيف : هناك فراغ في المنطقة ستملأه امريكا ( فراغ سياسي امني ثقافي ) وستقوم بذلك بالتعاون مع شعوب المنطقه ، وحسب ارادتها ومصالحها التي لاتتعارض مع الدور الامريكي الجديد في العالم .
ريتشارد بيرل مستشار وزارة الدفاع الامريكية من اكثر المحتمسين في مواصلة اجراء التغييرات الديموقراطية في بلدان الشرق الاوسط ، بكافة الوسائل بما فيها العسكرية ولايستثنى احداً خاصةً إيران وسورية والسعودية. كما يربط ذلك بالاستجابة لحقوق الكورد والحفاظ على وجودهم . وهذا الموقف يمثل كتلة وزارة الدفاع ويسميها البعض ( المحافظون الجدد )، على الرغم من وجود ثغرات في مواقفها تجاه القضية الكوردية في الشرق الاوسط وعدم تحديد الحقوق الكوردية .
ستروب تاليوت، مساعد وزير الخارجية الامريكية كتب مقالاً تحت عنوان حق تقرير المصير في عالم معتمد على نفسه " يعترف بوجود قضايا قومية في الشرق الاوسط وآسيا تريد الحرية، لانها اغلبية في مناطقها واقلية في بلدانها ، وهذا ينطبق على الكورد، ويعترف بانه ليست لدى الولايات المتحدة اي حل جاهز للتعاطي مع هكذا قضايا.
رؤية السياسة الخارجية الأميركية للقضية الكوردية :
زادت حرب الخليج عام 1991 العلاقة التفاعلية بين الولايات المتحدة وكورد العراق، وتحولت إلى علاقات واسعة ورسمية وعلنية في عام 1992، وبلغت ذروتها في أعقاب أحداث الحادي عشر من أيلول؛ حيث رأت أميركا أن إقامة علاقات مستقرة ومؤسسية مع الكورد لها أهمية استراتيجية بالنسبة لمصالحها في المنطقة، حيث تصرفت حكومة إقليم كوردستان بصفتها كيانا يتمتع بحكم شبه ذاتي ، وبشكل أكثر استقلالية في علاقتها مع الولايات المتحدة، كما جاء رفض تركيا للمشاركة بشكل حيوي في الحرب على العراق عام 2003 إلى بروز دور الكورد الإقليمي، وتطورت في النهاية إلى بلورة سياسة الولايات المتحدة تجاه القضية الكوردية ضمن إطار الدولة العراقية في حقبة ما بعد صدام. وتوقيع العقود النفطية بشكل فردي مع الشركات الأجنبية؛ ومنها الأميركية، وكذلك دور الأكراد الإقليمي والدولي، يشير إلى بداية الاعتراف بدورهم الديناميكي والحيوي في السياسة الدولية، المدعوم من قبل الولايات المتحدة والقوى الإقليمية والدولية.
قال نوح فيلدمان، استاذ القانون في جامعة نيويورك"الأكراد يقولون لنا: نحن حلفاؤكم الحقيقيون، الناس الوحيدون في العراق الذين يحبونكم ويحترمون قيمكم حقا. من جانبها تقول الولايات المتحدة بشكل غير مكشوف: نحن نريد قوتكم" .
وهذا ما عبر عنه في وقتها الزعيم الخالد مصطفى البارزاني : " يصعب على حلفاء واشنطن تصديق وعودها، وسياستها الخارجية "
جدد المتحدث باسم الخارجية الأميركية ريتشارد باوتشر في 9 يونيو 2004 التأكيد على علاقة الصداقة التي تجمع بين الشعبين الكوردي والأميركي، مشيرا إلى أن " الأكراد شاركوا في الجهود التي أدت إلى تحرير العراق. وهو يحث المجتمع الدولي على دعم الكورد في أوقات حاسمة ، أما بالنسبة للعراق فالآن لدينا عملية سياسية تتحرك في العراق، ونتوقع أن يشارك الأكراد في شتى مراحل هذه العملية سواء في الحكومة، أوبالعمل السياسي، أو في تسيير الإدارات العامة."
ولفت ريتشارد باوتشر إلى أن قرار مجلس الأمن التي حددت المبادئ الرئيسية في التعامل مع الموضوع العراقي: "في التوضيح الذي أدلى به السفير نيغروبونتي "هناك تأكيد على مسألة عراق ديموقراطي فدرالي تعددي وموحد، وهذا موجود في بنود القرار."وعلى الرغم من الاضرار المادية والبشرية لهجوم تنظيم "الدولة الاسلامية" داعش على اقليم كوردستان، إلا أنه وكما يرى دبلوماسيون وخبراء سياسيون، دفع الولايات المتحدة والدول العظمى إلى تغيير سياستها الخارجية تجاه الاقليم .
قال الخبير السياسي، اليكس اولتينو : "في الكثير من المرات يقال إن سياسة الولايات المتحدة تجاه اقليم كوردستان محدودة لدرجة أنه لا يمكن تحقيق أي مكتسبات منها" .
إلا أن المستشار الامريكي الكبير، هاري شوت، الذي يقطن في اقليم كوردستان، قالها بصراحة " أن توسع السياسة الخارجية الامريكية تجاه اقليم كوردستان مرتبط باستمرارية هجمات داعش على الاقليم ". لكن شوت أضاف أيضاً :" إنه بعد استقطاع الموازنة والرواتب عن اقليم كوردستان من قبل بغداد، تزايدت الأصوات الداعية إلى الانفصال والاستقلال الاقتصادي في الاقليم أكثر من اي وقت مضى، لكن المحللين والمختصين في الشأن السياسي يعتبرون أن مجيء داعش والدعم العسكري العالمي لاقليم كوردستان يمهد الإجواء لاعلان الاستقلال من قبل الاقليم " . قال المحلل والخبير السياسي رايان كرفيزس، إن هيئة اقليم كوردستان علا شأنها،
موضحا أن "اقليم كوردستان الآن يحتضن أكثر من مليون و700 ألف نازح ولاجئ، والعدد في ازدياد، كما أن وجود أكثر من 35 قنصلية وممثلية للدول الاجنبية في اقليم كوردستان، ومواجهة البيشمركة لمسلحي داعش، كل تلك الامور تعد اسبابا لعلو شأن هيئة اقليم كوردستان في منظور السياسية الخارجية لدول العالم أجمع، وخاصة الولايات المتحدة "
الدور الكوردي في هزيمة "داعش":
بدأت جهود المجتمع الدولي الرامية إلى ردع تنظيم " داعش " في منطقة كوردستان العراق، التي كانت بمثابة القاعدة لانتصارين هامين الاول في سد الموصل ، والثانية قرية آمرلي. والجدير بالملاحظة أن قوات البيشمركة الكوردية القوية، تعافت بسرعة من هجوم " داعش " المفاجئ في أوائل آب، مما يدل على مرونتها واستعدادها لتسهيل عمليات القوات العسكرية الأمريكية وقوات الحكومة العراقية. إن بذل جهد دولي أوسع للقضاء على تنظيم " داعش " كان يتطلب المزيد من الوقت ، ويكون أكثر تكلفة من دون التعاون مع حكومة إقليم كوردستان التي وفرت قاعدة آمنة وسهّلت الوصول المباشر إلى أكثر من ألف ميل من الخطوط الأمامية للتنظيم في شمال العراق، وعلى نحو مهم في المناطق المأهولة بالأكراد شرقي سوريا ايضاً.
كما ان حكومة إقليم كوردستان تشكل عاملاً حيوياً بالنسبة لمصالح الولايات المتحدة الأوسع نطاقاً في العراق. ويُعزى ذلك إلى عدّة أسباب، منها استعدادها لتصدير النفط المنتج في أراضيها إلى أسواق الطاقة العالمية وربما الأهم من ذلك، تعزيز العلاقة بين الولايات المتحدة وحكومة إقليم كوردستان الذي من شأنه أن يقدم للبيت الأبيض خطة احتياطية ومصدراً بديلاً للضغط على بغداد في حال عدم إلتزام حكومة رئيس الوزراء العراقي الجديد حيدر العبادي التي يهيمن عليها الشيعة، بتحقيق وعودها بضم كافة فئات المجتمع العراقي.كما لدى الكورد قدرة السيطرة على الأرض، ومحاربة داعش والتكفيريين، والتحكم بالمنطقة التي قد يتوقع أن تبنى فيها قواعد عسكرية. لأن سياستها ستعتمد أيضا على القوى المحلية، والطيران الأمريكي، ومجموعة من الخبراء أو قوى عسكرية رمزية كخبراء وموجهين وامريكا تثق بهم اكثر من اية جهة اخرى.
قال الباحث الامريكي المعروف كريستين كاريل في جريدة النيويورك تايمز في مقال له :" إن الكورد يقتربون من إنشاء دولتهم، وهذا ما سيحدث تحولات في الشرق الأوسط، و يتساءل هل سيساند الرئيس الامريكي الجديد ترامب وجود هكذا دولة على الخارطة؟ " .
السياسة الامريكية بعد إجراء الاستفتاء
واجه الرئيس ترامب جملة من القضايا المتعلقة بالملف الكوردي في جميع أجزاء كوردستان، ففي العراق موضوع الاستقلال كان أقرب من أي وقت مضى ، والكورد لن يتنازلوا عن هذا الحق في ظل توافر ظروف هي الأنسب ، و تضحيات بشرية كبيرة قدموها، ايضا مسألة المناطق التي حررتها قوات البيشمركة ، وكانت تحتاج إلى اعتراف أمريكي بأحقية وجود القوات الكوردية فيها، وكان ينتظر الكورد دعماً أمريكيا لموضوع تصدير النفط خارج حدود الإقليم، أو شراءه في الأسواق الأمريكية .
وكان هناك شعور بالتفاؤل يسود الشارع الكوردي بوصول الإدارة الأمريكية الجديدة حيث أمل الكورد بأن يصلح الرئيس ترامب الخطأ الاستراتيجي الذي وقع فيه الغرب، حين منعوا تشكيل دولة كوردية في القرن العشرين ، وتقسيم ارض كوردستان، وأن يعترف بخارطة الدولة الكوردية، لأن ذلك سيحدد مستقبلهم في الشرق الأوسط.
كانت الإستراتيجية الأمريكية المعلنة حيال العراق هي تعهد الولايات المتحدة الأمريكية بتقديم المساعدة في بناء دولة ديمقراطية فيدرالية موحدة ، تصان في ربوعها حقوق كافة مكونات العراق القومية والدينية. وقد صرفت الإدارة الأمريكية منذ أن أمر الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما بسحب قوات بلاده من العراق بدءاً من عام 2011 مئات المليارات من الدولارات على تسليح وتدريب “القوات المحلية العراقية” التي كانت ومازالت في جلها الأعظم مجرد أذرع عسكرية للنظام الإيراني، ولم تلق تحذيرات القيادة الكوردستانية في شخص الرئيس مسعود بارزاني من أن العراق بدأ ينزلق بخطى متسارعة نحو الحكم الدكتاتوري آذانا صاغية في واشنطن، لا بل أن الأمريكان أصروا على ربط تقديم المساعدات لقوات البيشمركة بموافقة السلطات المركزية في بغداد التي صادرت في أغلب الحالات الشحنات المخصصة لكوردستان، مما أدى إلى إختلال الميزان العسكري لصالح القوات العراقية .
من الواضح تماما أن الإستراتيجية الأمريكية في العراق فشلت فشلاً ذريعاً، فالعراق يتصدر قائمة الدول الفاشلة بمعايير الفساد، والأمن، والسيادة. وفعليا لم تعد هناك دولة عراقية موحدة، ولا جيش عراقي، بل مجموعات مليشياوية تقاد من طهران. وشكل الموقف الأمريكي من التطورات الدراماتيكية التي شهدها كوردستان العراق بعد الخامس والعشرين من أيلول المنصرم ( بعد إجراء الاستفتاء الذي صوت عليه أكثر من73،92 من الشعب الكوردستاني ) صدمة قوية وساعة الحقيقة لكل المتابعين للعلاقات الأمريكية الكوردية في السنوات الخمس والعشرين المنصرمة، في معرفة الموقف الأميركي من قضيتهم وتطلعاتهم في ضوء اتِّكال الولايات المتحدة على قدراتهم القتالية ، ودورهم الريادي في تضييق الخناق على تنظيم الدولة الإسلامية.
لكن الذي حدث هو تهافت مسؤولي البيت الأبيض ، ووزارة الخارجية ، ووزارة الدفاع ، والسفارة الأميركية في بغداد على إصدار بيانات متلاحقة لثني الكورد عن إجراء الاستفتاء، أو تأجيله على الأقل. حيث أعلن وزير الخارجية، تيلرسون، وقتها أن "التصويت ونتائج الاستفتاء يفتقران للشرعية، ونحن نواصل تأييدنا لعراق موحد وديمقراطي وفيدرالي ومزدهر" .
على مدى ربع قرن، كانت واشنطن الرسمية، تؤكد على تحالفها القوي مع الكورد، بإعتبارهم ركنا مهما في السياسة الأمريكية حيال “العراق الجديد” أولاً ، ومن ثم كحليف موثوق به ثانياً. ففي أربيل عاصمة الإقليم توجد إحدى أكبر القنصليات الأمريكية في المنطقة. وكانت كوردستان العراق في السنوات التي تلت سقوط نظام صدام حسين الدكتاتوري قد أضحت مزارا لكبار الساسة ، والمشرعين الأمريكيين من وزراء دفاع، والخارجية، وأعضاء بارزين في الكونغرس، بمن فيهم نائب الرئيس الأمريكي جو بايدن الذي زار العاصمة الكوردية اربيل أكثر من مرة. وقد إستقبل رئيس الإقليم مسعود البارزاني في واشنطن عدة مرات كما يستقبل رؤساء الدول، وحتى بحفاوة أكبر، كما بدأ رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان يرحب به بصفته رئيسا لإقليم كوردستان، بدلاً من "زعيم حزب او قبيلة" كما كان يستقبل عام 2007، وكانت الأوساط المعادية للكورد وقضيتهم تكتب بحسد عن العلاقات بين أمريكا والكورد.
فما الذي حدث حتى تدير أمريكا ظهرها للكورد بهذه الطريقة المخزية عند أول صدام فعلي لهم مع إيران، الحاكمة الفعلية للعراق، حتى لو أنها مارست حكمها تحت ستار مؤسسات “عراقية”، والأدهى من ذلك كله أن هناك كلام يؤكد أن الصفقة التي عقدتها مجموعة داخل الإتحاد الوطني الكوردستاني مع قاسم سليماني، والتي تم بموجبها تسليم كركوك والمناطق الكوردستانية الأخرى الواقعة خارج سيطرة الإقليم إلى إيران والعراقيين، قد تمت بمباركة أمريكية، أوعلى الأقل بعلم السيد بريت ماكغورك. بل ان الدكتور حيدر العبادي كان لا يتجرأ على مهاجمة كركوك لو لم يأخذ الضوء الاخضر من واشنطن، كما أن الأمريكان صمتوا، ولايزالون، عن معادات دول الجوار في العراق وايران وتركيا وسوريا للكورد، والذين فرضوا طوقاً برياً وجوياً محكماً على شعب كوردستان، وإتخذوا “موقف الحياد” في الحرب الشعواء التي شنتها القوات الامنية والحشد الشعبي على الكورد، داعين “الطرفين إلى ضبط النفس واللجوء للحوار لحل الخلافات البينية”، في مساواة بين الظالم والمظلوم .
وهنا ثمة أسئلة تطرح نفسها : هل هناك تغير في الإستراتيجية الأمريكية تجاه الكورد؟ هل إستغلت واشنطن القوة القتالية الكوردية مجرد كأداة في حروبها بالوكالة في المنطقة ؟، وقد حان الآن وقت الإستغناء عن الكورد حفاظاً على مصالحها المتشعبة مع تركيا وإيران والدول العربية، كما يذهب إليه بعض الكتاب والمحللين السياسيين، أم الأمر هو تكتيك أمريكي آخر لجر إيران إلى المستنقع الكوردي وإغراقها فيه، كما يقول مراقبون آخرون للسياسة الأمريكية في الشرق الأوسط؟ والحقية المرة التي يجب ان نعرفها أن الكورد ببساطة وقعوا ضحية صراعات بين مراكز القوى داخل الإدارة الأمريكية بين تيارين: تيار موال للكورد ممثلاً بمؤسسة الرئاسة وقسم كبير من وزارتي الدفاع والأمن القومي من جهة، وبين وزارة الخارجية التي لايزال يسيطر على مراكز إتخاذ القرارت فيها موظفون من إدارة أوباما، وخاصة السيد ماكغورك المعروف بصلاته الوثيقة إيران . يرى البعض ان زمن الاستفتاء كان غير مناسباً فقد تزامن مع مما يبدو أنه "حلف وارسو جديد" في الشرق بين موسكو وطهران وأنقرة ، بداية بتدبير الأزمة السورية، ومرورًا إلى شرق أوسط جديد قد يرجح فيه ميزان الكفة الروسية على الكفة الأميركية.
قال ستيوارت جونز، السفير الأميركي السابق في العراق: "ليس هناك غموض في الموقف الأميركي بشأن هذه القضية، كانت الولايات المتحدة تحث الأكراد والسيد مسعود بارزاني، ومسرور بارزاني، منذ الربيع الماضي على عدم المضي قدمًا في الاستفتاء لأنه لن يكون في صالح لا كوردستان ، ولا العراق ، وإنما يخدم مصلحة المتشددين وإيران . ويقدم السفير جونز مجموعة تبريرات لمعارضة مشروع الاستفتاء، قائلًا: "أولًا: حكومة إقليم كوردستان ليست مجدية من الناحية الاقتصادية. ثانيًا: الاحزاب الكوردية غير متماسكة ، ثالثاً : لم تكن الظروف السياسية ملائمة، وهناك رد فعل حادّ جدًّا من إيران ، ومن تركيا وأيضًا من بغداد. لم يكن الجيران مستعدين لذلك ، ولا للمضي قدمًا مع فكرة الاستفتاء. كان هناك الكثير من القضايا التي لم يتم حلها .
قال ستيفن ويزمان: " قبل بدء الحرب التي استهدفت إسقاط صدام حسين تعاملت إدارة الرئيس الامريكي جورج بوش مع الاكراد في شمال العراق باعتبارهم من أقرب حلفائها، لكن العلاقات بين الطرفين بلغت الآن مرحلة مريرة، حيث راح بعض القادة الأكراد يتهمون واشنطن بالخيانة.
قال مسؤول كوردي رفيع " نحن لم نتعرض فقط لخديعة من قبل الأمريكيين بل هم يغيّرون مواقفهم من يوم إلى آخر من دون التركيز على استراتيجية حقيقية في العراق، هناك قدر من سوء الادارة وعدم الكفاءة مما يثير قدراً كبيراً من الاستغراب".
بينما يحاجج الأمريكان كرد بأن الدستور العراقي يكفل للكورد الكثير من حقوقهم، وأنه يمكن حل كافة الخلافات القائمة بين أربيل وبغداد عبر الإحتكام إلى الدستور. الكورد أيضا يقرون بذلك إلى حد كبير، لكنهم يقولون أن الحكومة المركزية لاتحتكم للدستور، بل لإملاءات طهران وفتاوى المرجعية، وقدمت حكومة إقليم كوردستان عريضة مفصلة بالخروقات الدستورية التي إرتكبتها بغداد ، والتي جاوزت الخمسين خرقاً، من أبرزها خرق مبدأ التوافق كسبيل لحل إشكاليات العراق، والإهمال المتعمد للمادة 140 وموضوع المناطق المتنازع عليها، والمادة المتعلقة بحصة كوردستان من ميزانية الدولة البالغة 17٪، ودفع مخصصات البيشمركة بإعتبارها جزءاً من المنظومة الدفاعية، وغيرها الكثير الكثير . والأمريكان، بالطبع، أول المطلعين على هذه الحقائق والخروقات المذكورة من بين دول ومؤسسات دولية وإقليمية عديدة .
الأمريكان يعتقدون، ربما بصدق، من أن إنفصال الكورد عن العراق سيقضي على كل نفوذ لهم في العراق، وهم يراهنون على أن إنتصار العبادي في الإنتخابات القادمة قد يحجم من النفوذ الأيراني في البلاد، لكن هذا وهم تروج له جماعة ماكغورك، فالعبادي ينتمي لحزب الدعوة والمالكي نفسه، وولاءه لإيران لايقل عن ولاء سلفه، وأن القضية برمتها هي توزيع للإدوار يستهدف تجميل الوجه القبيح للإحتلال الإيراني للعراق .
يتساءل الكثيرون لماذا تخلت الولايات المتحدة عن الكورد الذين حاربوا جنبها ببسالة ضد الارهاب؟، ولماذا لم ترسل دبلوماسيين رفعي المستوى لحل الأزمة ، وتشجيع حل سلمي للصراع كجزء من استراتيجية عراق قوي ما بعد داعش؟ . قد يبدو المرء مشدوهاً لرؤية أن القوات العراقية المدَّربة أمريكياً تستخدم عربات هامفي الامريكية ضد حلفائها الحميمين الكورد . الجواب : ان الولايات المتحدة ستقف طبعاً مع بغداد لانها تريد العراق كله .. العراق وبضمنه الاقليم في ظل حكومة عراقية “موّحدة” ذات سيادة واحدة . وأن أية تصريحات خلاف ذلك يعني أنها تدعم إنفصال كوردستان ، وترسل رسالة خاطئة إلى رئيس الوزراء حيدر العبادي، الذي أستثمرت وأنفقت الولايات المتحدة في دعم حكومته مليارات الدولارات. وإن أي انحراف عن الدعم الكامل لبغداد ستدفع بالعبادي إلى الإرتماء أكثر في حضن إيران في وقت غير مناسب
إن الولايات المتحدة تسعى إلى ترتيب الشرق الأوسط ما بعد داعش حيث يشكل العراق مفتاحه، فالولايات المتحدة بعد 14 عاماً من غزوها للعراق في 2003، مدينة بالفضل للعراق أكثر من أي وقت مضى في التاريخ لترسيخ وجودها في الشرق الاوسط ، لان الشرق الاوسط قلب العالم فمن يسيطر على الشرق الاوسط يسيطر على العالم كله، وكل ما تحتاجه آمريكا من مواد اولية لصناعاتها موجودة في الشرق الاوسط، كما انها سوق تجارية لانها دول استهلاكية لا تنتج .
إن الولايات المتحدة بحاجة إلى إقناع العراقيين بعدم الوقوف مع طهران بل بالبقاء قريبين من الرياض، وقد عملت الولايات المتحدة كثيراً على تلك العلاقة خلال السنة الماضية أو ما يزيد. من وجهة نظر واضعي السياسات في واشنطن، إن العراق هو المفصل الذي يتركز عليه الشرق الأوسط برمته.
على الرغم الأصوات الكثيرة التي حذّرت من النفوذ الإيراني في العراق ، والاقتراح أن تقسيم البلد ربما يكون أفضل، لكن واشنطن المؤسساتية، أو ما يسميه البعض بـ“الدولة العميقة” لا يمكنها أن تشجع تفكيراً كهذا. فمنذ نهايات الاستعمار في نهاية الستينات من القرن الماضي، حملت الولايات المتحدة لواء الاستعمار الجديد حيث تتدخل في شؤون الدول التي تركتها الدول الأوربية، ليس بمعنى احتلال دول أخرى واستعمارها ، ولكن من خلال سعيها للسيطرة العالمية والفصل في قضايا العالم. ربما يتساءل البعض، وهم محقون في ذلك، لماذا سمحت الولايات المتحدة بتفكك يوغسلافيا وبدولة كوسوفو مستقلة ولا تسمح بدولة كوردستان. السبب هو أن إحداها تخدم مصالح الولايات المتحدة بينما الأخرى لا تخدمها.
قال هنري كسينجر ذات مرة ” ليس لدى أمريكا أصدقاء أو أعداء، لكن فقط لديها مصالح“. بالنسبة لمن هم في واشنطن فإن مفهوم الحلفاء هو سذاجة ورومانسية مضحكة ، وتعطي نتائج عكسية على المصالح الأمريكية.
تعتقد الولايات المتحدة أن دعم بغداد ضد إقليم كوردستان هي أفضل طريقة لإذكاء نيران الوطنية العراقية التي من شأنها، كما تعتقد الولايات المتحدة، أن تخفف وتصرف النظر عن التقسيم “العرقي–الطائفي“. يعني ذلك أن تشجيع الخطاب المناوئ للكورد هو فعلياً “الحل” للمشاكل العراقية، لأنه من وجهة النظر الأمريكية إنه من شأن ذلك أن يوّحد العرب السنة والشيعة ضد عدو مشترك وإبعادهم عن الدور الإيراني كما حدث بمحاربة الكورد، فالولايات المتحدة تريد أن تبقى في العراق لأجل طويل، ويُنظر إلى إقليم كوردستان، بطريقة غريبة وساخرة، على أنه العقبة الرئيسية في طريق إعادة تشكيل العراق مرة أخرى من قبل الولايات المتحدة.
TheNational Interest كتب كليزر وبيريل في ذا ناشنوال انترست
“إذا ما انقسم البلد إلى قسمين، أو أكثر، فإن ذلك ربما سيعزز النفوذ الإيراني في بغداد وبقية المناطق التي يسيطر عليها الشيعة في العراق، وهو شيء لطالما وقفت الولايات المتحدة في وجهه، لكي تمنع النفوذ الإيراني "
بما أن الولايات المتحدة قد دخلت اللعبة الاستعمارية متأخرة، فإنها تشعر بأنها بحاجة إلى أن تصلّح ما تراه إخفاقات للقوى الاستعمارية السابقة مثل المملكة المتحدة وفرنسا وذلك من خلال استعمال وسائلها الخاصة.
على العكس من النفور غير المحسوب لبعض المستشارين وصناع القرار لحكومة إقليم كوردستان، فإن سكاي تلاحظ في مقالتها في فورن أفيرز أن الخلاف بين العراق وحكومة إقليم كوردستان ينبغي أن “يتم التفاوض عليه بين بغداد وأربيل وتصادق عليه دول الجوار ويعترف به المجتمع الدولي. مهما يكن الأمر فإن على الولايات المتحدة أن تدعم إعادة إحياء جهود الأمم المتحدة لتقرر، منطقة إثر منطقة، الحدود بين إقليم كوردستان وبقية العراق. وينبغي أن تعطي العملية وضعية خاصة لكركوك لما لها من تنوع سكاني ، وتاريخ متنازع عليه وثروة نفطية.
كما إن أي رئيس وزراء عراقي لا يمكنه أن يتحمل تبعات خسارة كركوك. ولكن التوسط الدولي يمكن أن يلعب دور في التوصل إلى تسوية.”يبدو ذلك مثالياً وقد يظن المرء أنه من مصلحة أمريكا أن يكون العراق مستقراً ومسالماً. لكن إيران كانت أسرع من الولايات المتحدة في تشجيع العراق على التحرك نحو كركوك ، وقد استخدمت إيران نفوذها بين أجزاء من الاتحاد الوطني الكوردستاني ، من أجل خلق انقسامات داخلية في حكومة إقليم كوردستان. كما إنها شجعت العراق على أن تسيطر على كامل الحدود السورية.
فهم يأملون في إهمال المعاملة السيئة للمناطق السنية ، وإقليم كوردستان لكي يستعيدوا العراق كما يريدونها أن تكون. إن سياستهم تكمن في عدم ذكر الأقليات في العراق، وهم بذلك يأملون في أن أية شكاوى من طرفهم سوف تتلاشى.
هنا كان ثمة سؤال يطرح نفسه هل كان للكورد دورا كبيرا للتقارب بين السعودية والعراق : والجواب نعم امريكا ترى لغرض تقارب سعودي عراقي لابد من إضعاف اقليم كوردستان، والعبادي أخبرنا أنه إذا أردناه أن يعمل مع السعوديين، فإنه يجب أن نُضعِف بشكل دائم إقليم كوردستان ، وإعادته إلى ما كان عليه في 2003.” وهو ما وافقت عليه ، ربما يقول المنتقدون أن هذا مثير للسخرية. ولكن العالمون ببواطن الأمور يقولون أن هذا ذكاء وواقعية. تتفق القوى الغربية مع مقولة “لا تتعاطفوا كثيراً مع بيشمركة كوردستان. نعم هم لعبوا دورهم في محاربة داعش ، ولكنه الآن أوان العراق. إن دعم الكورد يضعف بغداد ويلحق الضرر بالعبادي.
تمت التضحية بكوردستان بسرعة من قبل واضعي السياسات الغربيين. وقد أتُخِذ هذا القرار بشكل متزامن لأن مصالح كل بلد منخرط بإقليم كوردستان ، وكانت تكمن في إلحاق الهزيمة بداعش ، وعند الإنتهاء منه لم يعد لها أية مصلحة في أفكار خيالية من قبيل “حق تقرير المصير“. وعندما يُظهر الكورد صور الآليات العراقية ، وهي تحمل الرايات الشيعية ، أو صور آية الله الخميني ، أو قوات الحرس الثوري الإيرانية، فإن الدبلوماسيين الغربيين يتجاهلونها لأن الاعتراف بما حصل في العراق سيُجبرهم على الاعتراف بأن إيران قد تفوقت عليهم ( وهو ما تفعله الولايات المتحدة أيضاً في لبنان بدرجة مختلفة). ويفضّلون بدلاً من ذلك القول أن الوجود الإيراني هو شيء “مزعوم” أو “مبالغ فيه” وبصوت يشبه حد الهمس أن اسرائيل والمحللون السياسيون المؤيدون لإسرائيل هم الذين يبالغون في دور إيران ( صناع القرار الأمريكيون متشككون في دور “المحافظون الجدد” في دفع أمريكا نحو حروب مع إيران) .
أكد العبادي لوزير الخارجية تيلرسون أن قوات الحشد الشعبي هي “أمل” العراق والمنطقة ومؤسسة من مؤسسات الحكومة. وقد رفض العبادي مراراً دعوات حلّها على الرغم من أن دور الميليشيات كان مشهوداً عندما تداع الجيش العراقي في عهد المالكي، ومن غير المحتمل أن تعود إلى بيوتها، وسوف تستمر في توجيه سياسة العراق. يأمل صناع القرار الغربيون أن اللغط والأسئلة حول ما حلّ بإقليم كوردستان الذي كان مزدهراً بالمطارات ، ومركزاً للاقتصاد والاستقرار ، ويستضيف الكثير من الأجانب بل “عاصمة السياحة” من فترة ليست ببعيدة، سوف تتلاشى تدريجياً وبشكل نهائي. لقد طالبت بغداد بحظر القنوات الكوردية مثل روداو وكوردستان (24) والذي سيعتبره الغرب تطوراً إيجابياً. فكلما كانت الأخبار أقل من إقليم كوردستان، كلما كان ذلك أفضل. وقد تم تبني ذات السياسة من قبل وسائل الإعلام الغربية ، وصناع القرار بعدم نشر تقارير عما يحصل للكورد في الدول المجاورة.
لا تدعوا العاطفة تتغلب عليكم ولا تسألوا كيف يمكن للولايات المتحدة أن تتخلى بهكذا سرعة عن الناس الذين قاتلوا وماتوا ضد العدو المشترك. هذه هي سياسة الولايات المتحدة: ليس لأمريكا من أصدقاء؛ لديها مصالح فقط. إنها المصالح في شمالي سوريا وليس لأنها مكان تسوده العلمانية والديمقراطية ومجازر عفرين نموذجاً، فسبق ان قال جون ف كندي، وفرانكلين ديلانو روزفلت : ” تلك القيم والمبادئ لم تعد موجودة في أمريكا، وإن وُجِدت، فإنها في أخفض درجاتها في دوائر صنع القرار ". وحالما تدرك الجماعات والحلفاء المحتملين للولايات المتحدة بأن الحديث عن المبادئ ، أو القول “إننا حاربنا معاً” والحديث عن “الديمقراطية ” و“العلمانية” ، و “حقوق الإنسان” ليست طريقة لكسب قلوب الأمريكيين . إن الولايات المتحدة لديها نظرة ساخرة للعالم. فهي على العموم تنظر إلى الأنظمة الديكتاتورية والملكية والدول التي تقمع الحرية الدينية على أنها دول مستقرة ويمكن الاعتماد عليها. أما الأنظمة الديمقراطية فهي فوضوية. والربيع العربي كان فوضوياً.
أن الولايات المتحدة تنظر إلى العالم على أنها صراع بين دول فوضوية ، وأخرى جيدة الأداء وقامت بوضع الديمقراطيات الناشئة في خانة الدول الفوضوية. الحلفاء النموذجيون هي التي تكون على شاكلة دول الخليج. إن أي شخص يفكر بنوع من الشراكة مع الولايات المتحدة على هذا المستوى فإنه يُترجم إلى نوع من الشراكة الاجتماعية بعد سياسة طويلة الأمد مرتكزة على المبادئ فهو مخطئ. فقد تشاركت حكومة إقليم كوردستان مع الولايات المتحدة في قتال داعش. ذهبت داعش وذهبت معها حاجة الولايات المتحدة في الإبقاء على دعمها لحكومة إقليم كوردستان.
وهنا ثمة سؤال آخر يطرح نفسه : ماذا عن القيم الأمريكية. ماذا عن مبدأ ويلسون في “حق تقرير المصير” ومبادئ كنيدي و“دعم أي صديق كان“؟ وإن تلك المبادئ تنطبق على أربيل أكثر من بغداد التي لا يستطيع فيها معظم الصحفيين ، والأجانب بشكل عام على مغادرة المنطقة الخضراء، أو الفنادق المحروسة خشية الاختطاف أو الإرهاب، على عكس إقليم كوردستان. ولكن المبادئ نفسها يُنظر إليها في دوائر السياسة في واشنطن على أنها سذاجة. تاريخيا وشفهياً دعمت الولايات المتحدة “الديمقراطية” و“حق تقرير المصير“. على الرغم من أن وزارة الخارجية تُصدر تقريرها السنوي عن” الحرية الدينية“، فإن الولايات المتحدة الأمريكية هي أكثر الدول التي تحد من الحرية الدينية في العالم . إن الدول التي تشتري أسلحة أكثر من الولايات المتحدة ليست هي بالضبط أصحاب الديمقراطيات. فقد تصدرت ثلاث أنظمة القائمة في السنوات الثلاث الأخيرة ، وهي قطر والسعودية ، والإمارات العربية المتحدة. ودول أخرى ذات سجل سيء جداً في مجال حقوق الإنسان، بما فيها دول تقوم باحتجاز أكبر عدد من الصحفيين، هي من أقرب الحلفاء للولايات المتحدة. إن أي شخص يفترض أن السياسة الخارجية للولايات المتحدة يجب أن تعكس القيم والمبادئ الأمريكية مخطئ تماماً لأن سياسة الولايات المتحدة يمكن أن تُقاس على النقيض تماماً منها. باختصار، كلما كانت الدولة تنتهك حقوق الإنسان وتقمع حرية الكلام وتسجن الصحفيين وتكون أقل علمانية وتسحق الحرية الدينية، كلما كانت حليفة محتملة للولايات المتحدة، إن المسؤولين الأمريكيين يشعرون بأمان أكثر في ظل الدكتاتوريات لأنهم يُعاملون بشكل أفضل من قبل الديكتاتوريين. إنهم يميلون إلى سياسة خارجية ثابتة على المبدأ و جديرة بالثقة لا تتغير مع مرور الوقت حيث لا يطلبون أذن برلماناتهم المزعجة لإقامة قواعد للقوات الأمريكية، ولا حيث الصحفيون يسألون أسئلة مزعجة، ولا هناك توافقات في القرار ولا استفتاءات مزعجة. إن الدبلوماسيين يشعرون في ظل أنظمة الحكم الديكتاتورية بأنهم مثل لورنس العرب، إن عدد الدبلوماسيين الذين رجعوا من الخليج إنتهى بهم المطاف بدعم النظم التي كانوا يقيمون في أحضانه و يعملون كجماعة ضغط (لوبي) مرتفع جداً. هذا لا يعني أن الولايات المتحدة لم تعمل مع الكثير من الجماعات الساعية إلى الحرية خلال السنوات الماضية. بدءاً من جون قرنق في السودان ، وانتهاءً بأحمد شاه مسعود في افغانستان، لكن عملت الولايات المتحدة مع ما يمكن اعتباره الوجه الأفضل من معادلة الحرية ضد الاستبداد. لكن عموماً تكون تلك العلاقات قصيرة الأمد ، وتظهر فقط عندما يحصل أن تكون مصالح المناضلين تتشابك مع مصالح الولايات المتحدة. وتجسد العلاقة الكوردية مثالاً نموذجياً لذلك حين كان بالإمكان استغلالهم من قبل أمريكا وإيران ضد صدام حسين والعراق. ولكن عندما بات التوصل إلى اتفاقية الجزائر في عام 1975 ممكناً، تبخرت المساعدة الأمريكية.
عندما شن صدام حسين هجمات الإبادة الجماعية بالأسلحة الكيميائية في الثمانينات، فإن الوثائق السرية تُظهر أن الولايات المتحدة كانت تعرف ذلك بل ساعدت صدام في برامج أسلحته في الثمانينات. كان ذلك ضمن سياق محاربة إيران التي كانت قد أخذت 52 رهينة أمريكي في عام 1979 وحجزتهم لمدة 444 يوماً. فقد قدمت الولايات المتحدة أسلحة تقليدية أقل من الشركات البريطانية ، والألمانية لكنها ساعدت بتصدير العناصر البيولوجية، بما فيها انثراكس والمكونات الضرورية للأسلحة الكيميائية، وجاء في التقرير أن إحدى الشركات التي تعمل كواجهة لوكالة الاستخبارات الأمريكية باعت لصدام قنابل عنقودية في تشيلي. هذا هو السياق الذي ينبغي أن نفهم من خلاله ما تفعله الولايات المتحدة في العراق في الوقت الحاضر. قد يبدو شيئاً غير مسبوق أن نرى أنه بعد ثلاث سنوات من قتال قوات البيشمركة ضد داعش تبقى الولايات المتحدة ببساطة صامتة وهي ترى القوات العراقية تهاجم القوات الكوردية. قد يظن المرء أن التحالف المؤلف من سبعين دولة ستعبّر عن دهشتها وتطلب التدخل لوقف الاشتباكات. قد يظن المرء أن الولايات المتحدة ستصاب بالدهشة لرؤية عربات هامفي والوحدات التي دربتها تُستخدم ضد البيشمركة الكوردية بدلا من داعش. بقيادة قاسم سليماني قائد قوات القدس في الحرس الثوري الايراني ان إقليم كوردستان كان مفيداً من 2014 إلى 2016، ولكن مع هزيمة داعش إلى حد كبير، فإن الولايات المتحدة يمكن أن تعود إلى سياسة العراق الموحد القائمة في بغداد. ومحاولة الإقليم بتذكير الولايات المتحدة أنه كان ذات يوم حليفاً والجزء المستقر الآمن من العراق حيث كان الدبلوماسيون الأمريكيون يذهبون إليه لدعم الحرب على داعش هو بمثابة إلحاح الضمير الذي ينبغي إساكته. يرى بعض واضعي السياسات في الولايات المتحدة أن إيجاد حكومة إقليم كوردستان كان خطأ تأريخياً ، ويتمنون لو أن الولايات المتحدة لم تدعهما في 2005 ، حيث أن ذلك أدى إلى تآكل الوحدة العراقية وأعطت الكورد “آمالاً كاذبة” بالاستقلال ذات يوم. إن الهدف الحقيقي للولايات المتحدة هو إعادة تشكيل العراق دون أن يلعب فيه الكورد والعرب السنة دوراً كبيراً. إن الأقليات تتطلب توازناً للمصالح ودعماً للتعددية لذلك من الأسهل التعامل مع العبادي ، والاعتماد على شخص واحد مثلما تعاملت الولايات المتحدة مع المالكي. فقد أعطى استفتاء كوردستان المبرر للولايات المتحدة لكي تسمح بإضعاف حكومة إقليم كوردستان اقتصادياً وجعلها عاجزة جزئياً.
وهنا يسأل البعض هل خانت الولايات المتحدة الكورد ؟؟:
ليس هناك أي أثر للخيانة من قبل واشنطن على غرار ما حدث في سنة 1975. فقد كان موقف الولايات المتحدة الأمريكية إزاء ما يحدث واضحا للغاية، فبالاضافة الى الوضع المعقد في المنطقة، فالرئيس ترامب هو رجل تاجر قبل ان يكون رئيساً فماذا يمكن ان يجني من تجارته مع اقليم كوردستان، ساعدناهم في القضاء على تنظيم داعش مقابل بعض المساعدات العسكرية لقوات البيشمركة وأنتهى الامر .
فأمريكا صحيح قوة ضاربة في كل زمان ومكان ، وبالتالي يمكن الاعتماد عليها والعمل لحسابها للوصول الى غاية معينة، لكنها في ذات الوقت دولة امبريالية استعمارية، ، لكن بثوب جديد والتعامل معها يضع الكورد أمام الاخرين في خانة العمالة لآمريكا واسرائيل ومحاولة لتقسيم العراق ، ولنا تجارب مريرة معها، كما يجب ان نفهم تناقض السياسة الامريكية للواقع الكوردي مثلاً : إظهار الصورة الإيجابية للوضع الكوردي في العراق مقابل الصورة الإرهابية في تركيا ــ الإسراع في تقديم الحماية والمساعدة لكورد العراق مقابل حظر حزب العمال الكوردستاني التركي ، وتصنيفه في خانة الإرهاب والتطرف، وبالتالي تبرير النهج الأمني التركي في التعامل مع أكراد تركيا وسوريا.. إلخ) . كما ينبغي التوقف عند رؤية الغرب للقضية الكوردية، على نحو ما : هل هي قضية سياسية تخصّ شعباً حُرم من حقوقه الوطنية والقومية ، أم مسألة أمنية تحتل أهمية في السياسات ، والأولويات الأميركية تجاه دول المنطقة وشعوبها ومستقبلها؟ ، كان الغرب على الدوام ينظر إلى الأكراد على انهم عامل بشري أمني مهم في منطقة استراتيجية مهمة تتجاذبها التيارات القومية ، والدينية والمصالح النفطية والاقتصادية، اي أن جوهر السياسة الغربية وخصوصاً الأميركية تجاه الكورد، لا يقوم على اعتبار قضية الكورد قضية قومية مشروعة بل على اعتبارها أولوية أمنية يمكن استخدامها في الظرف المناسب ضد هذا الطرف الإقليمي المعني بالقضية الكوردية أو ذاك لا غير، والقاعدة الذهبية هنا هي: ان الغرب يسعى دوماً إلى وضع دول المنطقة أمام واقع المشكلة الكوردية بتشابكاتها المعقدة، وعندما يقضي مصالحه مع هذه الدول يضع الأكراد أمام الأمر الواقع الصعب ليكونوا ضحية هذه السياسة نفسها . والساسة في الغرب يقولون مع كل انتكاسة كوردية انهم كانوا يقومون بواجبهم وعلى الأكراد ان يميزوا بين ( النشاط الاستخباري والعمل التبشيري ) . هذا ما قاله كيسنجر ردّاً على مناشدات البارزاني الأب له عقب الانتكاسة الكوردية في عام 1975.
في جميع الأحوال، ينبغي القول إن العلاقة الكوردية ــ الأميركية ينبغي الا تخضع لقاعدة (شهر العسل) حتى لو كان هذا الشهر عقداً من الزمان، بل لعلاقة المنطقة ككل بالاستراتيجية الأميركية ومشاريعها ومخططاتها تجاه الجميع، وهذا الأمر لا يتوقف على الأكراد وحدهم بل العرب والفرس والأتراك وأقلياتهم ، ما دام الجميع يؤلفون معاً بنية حضارية واحدة في أمنها ودورتها الاقتصادية والاجتماعية والأمنية والسياسية ، وبنيانها العام ومصالح امريكا معها .
يشير مايكل روبن، من مؤسسة إنتربرايز، إلى معضلة أخرى في التواصل بين المسؤولين الأكراد وبعض الدبلوماسيين ، أو من يُحسبون على الحكومة الأميركية، إذ يقول: إن "أيدي أميركا -أو بشكل أدق الأميركيين- ليست نظيفة تمامًا. وفي الأسابيع التي سبقت الاستفتاء، أشار الأكراد الذين تحدثت إليهم إلى أنه على الرغم من جميع البيانات الرسمية الواردة من واشنطن، فقد أكد لهم الأميركيون الآخرون أن الولايات المتحدة ستقبل الاستفتاء.
لذا انتقد الرئيس مسعود بارزاني في تصريح لشبكة "سي إن إن" الأمريكية، بالقول: "فاجأني أن من يصفهم الأمريكيون بالإرهابيين هاجمونا باستخدام أسلحة أمريكية تحت أعين مسؤولين أمريكيين"، في إشارة لمليشيات الحشد الشعبي . وتعليقا على ذلك، قال كفاح محمود المستشار الإعلامي للرئيس مسعود البارزاني، إن الشارع الكوردستاني ونخبه السياسية يسودهم الامتعاض حيال صمت أمريكا من استخدام الحشد الشعبي، والجيش العراقي، أسلحة أمريكية في الهجوم على الإقليم وقوات البيشمركة .
وأضاف في حديث لـعربي21 أنهم "ممتعضون أيضا من الموقف الأمريكي حيال الاستفتاء، ولاسيما أن أمريكا ودول الاتحاد الأوروبي تصنف ضمن الديمقراطيات العريقة في العالم والتي تقف مع حق تقرير المصير للشعوب . "
وحول رد أمريكا على استغراب البارزاني، قال كفاح محمود، إن "أمريكا دولة مؤسسات ولها أوجه كثيرة في التعاطي والتعامل، لكن في الأخير لديها توجه موحد، فعلى سبيل المثال لا يمكن أن يختلف الكونغرس مع البنتاغون في القضايا الإستراتيجية . أن "الأمريكان أدركوا أن هناك خلل في موقف ما، بدليل أن وجود أسلحة أمريكية بيد مليشيات هو خلل وهم يعدون أبو مهدي المهندس نائب رئيس الحشد الشعبي إرهابي، وصرحوا بضرورة رحيل بعض المليشيات من العراق ، وهي مليشيات إيرانية .
وهنا يتسأل البعض هل مات الحلم الكوردي في تقرير مصيره :
الاستفتاء وتداعياتها قد أيقظ حقيقة كثيرا ما نتغاضى عنها، وهي لابد من اعادة النظر الى النظرية والتطبيق للمفاهيم الحضارية والديمقراطية. وبالتالي معرفة رؤية الأخرين لنا ولا شك في أن خيبة الأمل الراهنة من طبيعة الموقف الأميركي ستجعل الكورد يعيدون حساباتهم الاستراتيجية، وستتعزز لديهم الإرادة لإيجاد طريق آخر نحو استقلال كوردستان ولو خارج التأييد الأميركي. ومن شأن مشروع الاستفتاء ووضع كركوك حاليًّا أن يُبلورا القومية الكوردية بشكل متأجج أكثر من السابق، كما ان الاستفتاء وعلى الرغم من تداعياته قد وضع الحجر الاساس لنواة لدولة الكوردية، وهو احتمال لم تنتبه إليه واشنطن منذ امتعاضها قبل أشهر من فكرة تنظيم الاستفتاء.
يعتقد ريان كروكر، السفير الأميركي الأسبق في العراق، "أن الولايات المتحدة أضعفت موقفها بالوقوف في صف بغداد فى نزاعها مع الأكراد، وأنه كان من الأجدى لها عدم اتخاذ أي موقف بشكل ، أو بآخر حول قيام دولة كوردية في شمال العراق، كان من الأَوْلى ترك المسألة إلى الأكراد ، والعراقيين للتوصل إلى اتفاق حولها". وأضاف: "بعدما حشرنا أنفسنا مع جانب واحد، فإن القلق هو أن النظرة إلينا لن تكون نظرة وسيط نزيه في المستقبل " . صحيح الأمريكيين والكثير من القوى الغربية الأخرى، لا يريدون أن يتبخر أصدقاؤهم بسرعة ويتركونهم تحت رحمة السلطات القومية الشوفينية في بغداد وطهران وتركيا المتلهفين في إضعاف حكومة إقليم كوردستان على نحو مستمر. لكن من منطلق التعامل مع النزاعات، ستدخل العلاقات (الكوردية - الأميركية ) مرحلة جديدة من المد والجزر ، لكن خارج منطق الاتكالية ، أو أولوية التأييد الأميركي بعد الآن مما يفتح الطريق أمام الكورد لدراسة خيار موازنة علاقاتهم مع الولايات المتحدة مع دول مثل : فرنسا ، والمانيا، وروسيا التي تتزعم تشكيل حلف وارسو جديد ليس في شرق أوروبا ، بل في الشرق الأوسط هذه المرة.
يقول السناتور ماكين: "إذا واصلنا النوم على مسارنا الحالي، يمكننا أن نستيقظ في المستقبل القريب، ونكتشف أن النفوذ الأميركي قد تم دفعه خارج واحد من أهم أجزاء العالم. وهذا هو السبب في أن الأميركيين بحاجة إلى الاهتمام بما يجري في الشرق الأوسط الآن. وهذا هو السبب في أننا بحاجة إلى التمسك بأصدقائنا الحقيقيين مثل الأكراد. ولهذا، نحن الآن بحاجة أكثر من أي وقت مضى لاستراتيجية ترفع نظرنا فوق المستوى التكتيكي، وتفصل بين الأمر الملحِّ من الأمر المهم ..
كان يمكن لواشنطن أن تساعد بغداد وأربيل على اجتياز المناخ المتقلّب لمرحلة ما بعد الاستفتاء، لكنها بدلاً من ذلك تركت “الحبل على الغارب”، وهو أمر استغلته الحكومة العراقية بفاعلية، بدعم من القوى الإقليمية. قد تندم الولايات المتحدة في السنوات القادم على هذه الخيارات ، وعلى الطريقة التي تعاملت بها مع الأكراد وبغداد .
الخلاصــــــــــــــــة :
عند التفكير بالمستقبل، نرى أنه لا تزال توجد علاقة من الاعتماد المتبادل بين الولايات المتحدة والكورد، قائمة على الأمن المشترك ، والمصالح الجيوسياسية، ولا يزال تقارب المصالح يربطهما قبل تشكيل الحكومة العراقية الجديدة. أما بالنسبة لحيدر العبادي تحديداً، فلا يمكنه أن يخرج منتصراً ويتوالى رئاسة الوزراء المقبل ، من دون دعم حكومة إقليم كوردستان، التي طالما كان لها دور محوري في عملية تشكيل الحكومة في بغداد منذ العام 2003، وكانت دائماً تؤدي دور صانع الملِك.
كما ان خسارة الكورد ستؤدي إلى ضعف سيطرة الأمريكيين على بغداد ، وباقي أجزاء العراق، حيث سيستمر تنازع القوى الإقليمية، كإيران مثلاً، على النفوذ، وحيث ستبقى أمريكا متورطة من خلال محاولتها منع داعش ومثيلاتها من الظهور مجدداً في السنوات القادمة. في هذه الأثناء ومن أجل إنقاذ التحالف التاريخي بين كوردستان والولايات المتحدة الأمريكية يجب أن تضع واشنطن خطوطاً حمراء – وتطبّقها – بحيث تمنع بغداد من التمادي في تحيق المطالب الكوردية ، وتطبيق المادة 140 من الدستور العراقي ، وعدم تضيق الخناق على حكومة إقليم كوردستان اقتصادياً.
أن واشنطن تدفع الكورد العراقيين لإلقاء اللوم جزئيا على أنفسهم، من خلال القول لهم إنهم لم يسمعوا مطالبتها لهم بعدم إجراء الاستفتاء. غير أن الرغبة في معاقبة الكورد على عصيان أوامر الباب العالي في واشنطن، أدت إلى إلحاق هزيمة استراتيجية بالأمريكيين أنفسهم قبل غيرهم .
الهزيمة لا تتمثل فقط في خيبة أمل العالم بخيانة آمال الكورد القومية، وهذه ليست المرة الأولى ولم يخسر الأميركيون هذه الحرب فحسب، بل استسلموا لإيران في بداياتها. وبعد ذلك من في الشرق الأوسط في الواقع، كانت هزيمة الولايات المتحدة انتصارا لطهران، وكان الجانب الإيراني بشكل عام أحد المستفيدين الرئيسيين من هذه الأزمة. وأخيراً يجب ان لا ننسى ان هناك مؤشرات إيجابية لأمريكا ، وكذلك روسيا على إقامة كيان كوردي، ومصالحهما في المنطقة تتطلب ذلك، لأن مصالحهم مع السلطات الإقليمية أصبحت مستهلكة ولم تعد لهم منها فائدة، وقد يرجحون الكورد على حلفائهم القدامى، إذا كنا على قدر المسؤولية، ومن خلال وحدتنا وتماسكنا وأن نكون على حذر في علاقاتنا، ونخطط لمستقبلنا بدراية وأن لا نقع في نفس الأخطاء التاريخية الماضية، ولا نستند كلياً على طرف دولي دون آخر، وهذه تعتمد على مدى النضوج السياسي الدبلوماسي الكوردي في التعامل مع الاخرين وندمج مصالحنا بمصالحهم .













المصـــــــــــــــــــــــــــادر
------------------------------
1 – د . محمود عباس، العلاقات الأمريكية الكوردية، مقال منشور في مركز النور،
http://www.alnoor.se/article.asp?id=322968
2 – سيث جي فرانتنزمان، لماذا تخلت امريكا عن الكورد،الترجمة عن الانكليزية راج آل محمد .
http://www.medaratkurd.com/%D9%84%D9%85%D8%A7%D8%B0%D8%A7-%D8%AA%D8
3- حسنين هيكل ، الحل والحرب، ص 140 .
4 - مايكل نايتس من معهد واشنطن، اعادة ضبط العلاقات الكورديةالامريكية ، 15 ايلول 2014 مقال من الانترنيت – كوكل .
4. http://www.defenddemocracy.org/media-hit/behnam-ben-taleblu-kurd-your-enthusiasm/
5. https://www.theatlantic.com/international/archive/2017/10/us-kurdish-independence/543540/
6. https://www.theatlantic.com/international/archive/2017/10/us-kurdish-independence/543540/
7. http://edition.cnn.com/2017/09/30/middleeast/kurdistan-independence-tillerson-us/index.html 8. http://www.aljazeera.net/encyclopedia/eveA%D8%B1
9. https://www.theatlantic.com/international/archive/2017/10/us-kurdish-independence/543540/
10. https://www.nytimes.com/2017/10/24/opinion/john-mccain-kurds-iraq.html